U3F1ZWV6ZTI1MjI1NjAxMTQ0MTUzX0ZyZWUxNTkxNDQ5MDQ4MTA5OQ==

الدرس الكامن وراء الفرشاة: كيف قادت توجيهات معلمٍ حرفياً مصرياً إلى العالمية

 


كتب ـ سعيد شفيق 

بعد سنوات من العمل المستقل، دعا "عمرو السبخاوي" معلمه القديم لرؤية منزلٍ أتمّ العمل فيه للتو. كان يتوقع أن يتلقى ملاحظات تصحيحية، لكن المعلم الحرفي "محمد أبو شحاتة" قال له -في جوهر الأمر-: "لقد علمتك الأساسيات، لكنك طوّرت أسلوبك الخاص وابتكرت رؤيتك المستقلة".


بالنسبة لعمرو، جسّدت تلك اللحظة المعنى الحقيقي للتوجيه والإرشاد؛ فالمعلم الجيد لا يصنع نسخةً طبق الأصل من نفسه، بل يمنح تلميذه الأسس المتينة ثم يفسح له المجال لينمو ويتطور. وقد صاغت هذه الفكرة مسيرة عمرو المهنية، التي بدأت في قرية "منية سمنود" بمركز أجا في محافظة الدقهلية، وامتدت لتشمل مشاريع خارج حدود مصر.


عقدٌ من التلمذة المهنية


لم يمتهن عمرو فن الرسم والتشطيبات الزخرفية بدافع الضرورة، بل اختار هذا العمل لشغفه به. وقد أمضى نحو عشر سنوات في التدريب، قضى جزءاً كبيراً منها تحت إشراف "أبو شحاتة"؛ حيث تعلّم تقنيات التشطيب باستخدام العجائن البارزة (الريليف)، والعمل بالإسفنج، وخلق الملامس السطحية المتنوعة، واستخدام رقائق المعادن ، ومزج الألوان، والإعداد الدقيق للأسطح.


ويؤكد عمرو أن أهم الدروس التي تلقاها لم تكن تقنية بحتة؛ فقد علّمه "أبو شحاتة" الانضباط واحترام المكان الذي يعمل فيه، وهو ما يعني الحفاظ على نظافة الموقع، وترتيب الأدوات بعناية، وحماية ممتلكات العميل. وبالنسبة لعمرو، تُعد هذه الأمور جزءاً لا يتجزأ من الجودة، وليست مجرد إضافات اختيارية.


تحويل المشاعر إلى تشطيبات فنية


منح ذلك التدريبُ عمرو طريقةً في التفكير حول العمل لا يمكن لأي آلة محاكاتها؛ فغالباً لا يطلب العملاء لوناً أو تقنية محددة، بل يصفون شعوراً يرغبون في تحقيقه، كالهدوء أو الدفء أو الفخامة. وتتمثل مهمة الحرفي في تحويل ذلك الشعور إلى ملامس وتشطيبات تتناغم مع الغرفة وإضاءتها، وتحافظ على رونقها وجمالها لسنوات طويلة. ومن وجهة نظر عمرو، لا تكمن البراعة في الإلمام بكل التقنيات، بل في معرفة التوقيت المناسب لاستخدام كل منها.


وقد تبلورت فكرته الأكثر تأثيراً في عام 2008، حين بدأ يتعامل مع الأسقف كعنصر تصميمي مميز، بدلاً من اعتبارها مجرد مساحة تُطلى بلون واحد مسطح.  لقد جمع بين الأنماط المطفأة (غير اللامعة) واللامعة مع إطارات زخرفية بارزة، وانتشرت فكرته بين العملاء عبر التوصيات الشفهية. وقد أثبت ذلك أن الابتكار لا يتطلب بالضرورة مواد جديدة؛ ففي بعض الأحيان، يكفي النظر إلى سطح مألوف بمنظور مختلف.


**سمعة تتجاوز الحدود**


ساهمت التوصيات الشفهية في توسيع نطاق عمل "عمرو" إلى ما وراء حدود مصر؛ إذ شكلت اليونان محطة رئيسية في مسيرته المهنية، حيث أنجز هناك -وفقاً لتقديراته- أكثر من 50 مشروعاً في الفترة ما بين عامي 2019 و2025. وقد أوصى به المهندسون المعماريون والمدنيون وأصحاب الأعمال لآخرين، وغالباً ما وقع الاختيار عليه تقديراً لأساليبه واهتمامه الدقيق بالتفاصيل، وليس لمجرد تقديمه أقل الأسعار.


يقول عمرو: "اسمي وسمعتي مرتبطان بهذا العمل". فهو يولي مرحلة تجهيز الأسطح وقتاً كافياً ويسعى لمعالجة المشكلات قبل ظهورها؛ فبالنسبة له، لا يكتمل نجاح العمل إلا إذا صمد أمام اختبار الزمن دون الحاجة إلى إصلاحات متكررة.


تُعد قصته جزءاً من التقاليد المصرية العريقة في الحرفية الماهرة، والتي تشمل فنون الأرابيسك الخشبي، والزجاج المعشق، والتطعيم بالصدف، والخزف، والمشغولات النحاسية. ورغم تزايد حضور الحرف المصرية في المعارض الدولية، إلا أن أمثال عمرو يحملون هذه السمعة الطيبة بهدوء وتواضع؛ فعندما يعمل الحرفي المصري في الخارج، غالباً ما يكون عمله هو أول ما يتعرف من خلاله الناس عليه وعلى بلده.


**نقل الخبرة**


رحل "أبو شحاتة" عن عالمنا في عام 2023، ومنذ ذلك الحين شعر عمرو بمسؤولية مواصلة ما بدأه معلمه. وهو يطمح الآن إلى تدريب آخرين على التقنيات، واستخدام المواد، وفهم خصائص الأسطح، وتنمية الحس التقديري الذي تعتمد عليه هذه الحرفة. فمن وجهة نظره، يعني الحفاظ على المهنة تعليم فلسفتها القائمة على الصبر، والنظافة، والنظام، والاستعداد لإعادة العمل مراراً حتى يكتمل على الوجه الصحيح.


وتتلخص نصيحته للشباب في كلمات بسيطة: "اكتشف ما تحب، واجعل عملك مرتبطاً بشغفك. فعندما تهتم بالعمل منذ الخطوة الأولى، تصبح الجودة نتيجة طبيعية وحتمية".

تعليقات
الاسمبريد إلكترونيرسالة